آخر تحديث :الثلاثاء - 16 أبريل 2024 - 12:48 م

الفكر الخرافي الأسطوري في حياة المجتمعات البشرية ..!!

الثلاثاء - 02 أبريل 2024 - الساعة 12:00 ص

إبراهيم ناصر الجرفي
بقلم: إبراهيم ناصر الجرفي - ارشيف الكاتب


الأساطير والخرافات من الأمور الفكرية والعقائدية التي رافقت الإنسان منذ القدم وحتى اليوم ، وكان للكهنة ورجال الدين في الحضارات القديمة اليد الطولى في إنتاج ورعاية الكثير من الخرافات والأساطير ، وقد تم تسخير العديد منها في خدمة السلطات الحاكمة ، وفي مقدمتها تلك الخرافات والاساطير التي جعلت من الفرعون حاكم مصر إلهاً يعبد ، وجعلت من كسرى امبراطور بلاد فارس مخلوقاً مميزا ومتفوقا ومقدساً بعد أن تمكنت من إيهام الرعية بأنه من نسل الألهه ، وغيرها كثير ، ولن نبالغ إذا قلنا بأن الفكر البشري قد أبدع كثيراً في هذا المجال ، لتسيطر الخرافات والأساطير على مساحات شاسعة من حياة وتفكير البشر ، ولتحظى بالاهتمام الكبير لدرجة أنها تحولت إلى عبادات ومعتقدات في حياة الكثير من المجتمعات البشرية ، كل ذلك رغم تناقضها مع العقل ومع المنطق ، وأعتقد بأن من أهم أسباب إنتشار وتناقل الخرافات والأساطير هو إحتوائها على الكثير من الغموض والإثارة وتجاوزها لحدود المعقول ..!!

لأن البشر عادةً ما يثير الغموض والإثارة شغفهم ، وعادةً ما يحلمون بالقفز فوق المعقول إلى عالم اللامعقول والخيال ، في محاولة منهم للتغلب على ظروف حياتهم القاسية ، ولتجاوز محطات الفشل في أعمالهم ، وللعيش في إنتظار المنقذ المنتظر ( السوبر مان ) الذي يمتلك القوة الخارقة والعصا السحرية القادرة على حل كل مشاكلهم ، وتغيير مجرى حياتهم من السلبية إلى الٱيجابية ، والذي يمتلك القدرات الخارقة التي تمكنه من تحقيق طموحاتهم وأحلامهم بكل سهولة ، والمجتمعات الفقيرة والعاجزة والمتخلفة والضعيفة والفاشلة هي من تلجأ لمثل هكذا خرافات وأساطير ، وذلك في محاولة منها للهروب من إخفاقاتها العلمية والعملية والحضارية ، وهكذا أوضاع مرغوبة ومرحب بها عند السلطات الاستبدادية والكهنوتية والرجعية في كل زمان ومكان ، بل إنها تسخر كل قدراتها وامكانياتها لصناعة هكذا قطعان بشرية جاهلة ومتخلفة ومسلوبة الحرية والقرار والإرادة ، بل إن إيصال الشعوب لهكذا مراحل هو بمثابة النجاح الكبير والانجاز العظيم لهكذا سلطات عبر التاريخ ..!!

وهذا هو حال الكثير من الناس في مختلف المجتمعات والحضارات البشرية في كل زمان ومكان ، وهم في حالة إنتظار المنقذ المخلص ( السوبر مان ) ، الذي سوف يحققون من خلاله النصر المفقود في حياتهم ، ويتمكنون عن طريقه من إعادة أمجادهم الضائعة ، ويحطمون من خلاله كل القيود والمآسي التي تكبل حياتهم ، ويستعيدون عن طريقه حرياتهم وحقوقهم المسلوبة والمصادرة ، ويصنعون من خلاله المعجزات والمنجزات ، ويخلصهم من العجز والفشل والتخلف والتراجع الحضاري الذي يخيم على حياتهم ، وهكذا وضع يفقد الإنسان الثقة بالنفس ، ويعزز في داخله الإتكالية على الآخر ، وهو ما يصيب المجتمعات بالجمود والركود والتخلف ، وقد يكون ذلك هروباً من العقد النفسية الناتجة عن حالة من الارتهان للأوهام والخيالات والشعور بالنقص ، أو هروباً من الظروف الاجتماعية القاسية الناتجة عن التهميش والشعور بالدونية ، هذا من الناحية النفسية والاجتماعية ..!!

أما من الناحية السياسية فلا يستبعد أن يكون للسلطات البشرية المتعاقبة دور مؤثر في ترسيخ ونشر هكذا خرافات وأساطير ، كونها تساعد بشكل كبير في تخدير الشعوب ، وجعل الكثير منهم لا يفكرون كثيراً في فشل السلطات الحاكمة وفسادها وظلمها ، فهكذا أفكار خرافية واسطورية تعمل على شغل مساحات واسعة من تفكيرهم وتشغل حيز كبير من أوقاتهم ، وهم في حالة إنتظار ( السوبر مان ) ، وهكذا أفكار خرافية واسطورية وخيالية تساهم بشكل واضح في الحد من الأفكار الثورية والتحررية لدى شرائح واسعة من أفراد الشعوب ، لأنهم ليسوا بحاجة لها طالما والسوبر مان سوف يقوم بكل ذلك بالنيابة عنهم ، وأما من الناحية الحضارية فلا يستبعد أن يكون للمنافسين الحضاريين دور في نشر هكذا خرافات وأساطير ، لما لها من تأثيرات سلبية على الفعل والحراك الحضاري للشعوب المستهدفة ، نتيجة وقوعها في حالة الإتكال والإنتظار والعيش في عالم الأوهام والخيالات ، والذي يساهم في ابتعادها عن مقومات التطور والتقدم الحضاري ، ليترتب على ذلك الوقوع في براثن التخلف والجهل والاستلاب والتراجع الحضاري ، وهو ما يسهل مهمة السيطرة على هكذا مجتمعات جاهلة ومتخلفة ومستلبة وعاجزة ، ويسهل الاستيلاء على ثرواتها وخيراتها وصولاً ألى استعبادها وإذلالها واستعمارها ..!!